ابن ميثم البحراني
59
شرح نهج البلاغة
الغفلة عن ضابط الحصر ، وضابطه أنّ الجزء الأخير من الكلام الوارد عقيب إنّما هو المخصوص بحصر الحكم فيه سواء كان هو الموضوع كقولك إنّما قام زيد فإنّ المقصود حصر القيام في زيد أو كان هو المحمول كقوله تعالى « إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ » فإنّ المقصود حصر النبيّ في البشريّة ونفي كونه غير بشر ، وإذا تبيّن ذلك ظهر أنّها في الصورتين المذكورتين تفيد الحصر أمّا في الأولى فلأنّه يجوز أن يكون المقصود من الإيمان هناك أقوى مراتبه وهو الإخلاص ، وحينئذ يتبيّن أنّ المؤمنين منحصرون في الوجلين من ذكر اللَّه ، وأمّا في الثانية فلأنّ المؤمنين منحصرون في صفة الأخوّة في الدين كما هو المقصود من الأخوّة هاهنا ، وأعلم أنّه قد يستعمل في مفهومها عبارتان أخريان إحداهما قولك جائني زيد لا عمرو وهو أضعف منها لأنّه يفيد حصر المجيء في زيد بالنسبة إلى من أخرجه حرف النفي ، الثاني ما جائني إلَّا زيد ، ومفهومها مفهوم إنّما في الحصر والتخصيص كقوله تعالى « ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ » وفرّق الإمام بينهما فقال : إنّ دلالة إنّما على نفي غير المذكور بالالتزام ، ودلالة ما وإلَّا على نفي الغير بالمطابقة فكانت أقوى في ذلك من دلالة إنّما ولذلك يصحّ أن يقال إنّما زيد قائم لا قاعد ولا يصحّ أن يقال ما زيد إلَّا قائم لا قاعد ، وأقول إن صحّ ما ادّعاه من عدم الصحّة في الصورة الثانية كان للمانع أن يمنع تعليل ذلك المنع بكون ما وإلَّا دالَّة على نفي الغير بالمطابقة ويصرف ذلك القبح إلى قرب لا المقتضية لنفي الغير إلى إلَّا المقتضية للحصر وبعدها عن إنّما فكان التأكيد عقيب إنّما حسنا لطول الزمان بينهما على أنّا لا نسلَّم عدم الصحّة هاهنا بل قد يورد للتأكيد وإن كان عقيب إنّما أحسن ، وقد يقام غير مقام إلَّا فيفيد الحصر ، وقد لا يكون كذلك كقولك ما جائني غير زيد تريد نفى مجيء الغير فقط دون إثبات زيد . البحث الثالث - إنّ ما وإلَّا إذا دخلت على الجملة كان المقصود بالحصر فيه هو ما يلي إلَّا بعدها سواء كان مرفوعا كقولك ما ضرب زيدا إلَّا عمرو أو منصوبا كقولك ما ضرب زيد إلَّا عمروا ، وهكذا إن كان المنصوب حالا أو ظرفا فإن تأخّر مثلا الفاعل والمفعول معا عن إلَّا فالمقصود هو ما يليها أيضا كقولك ما ضرب إلَّا زيد عمروا وكذلك لو قدّمت المفعول على الفاعل فهو المقصود وهكذا حكم المفعولين كقولك لم أكس إلَّا زيدا جبّة فالَّذي يلي إلَّا